السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
70
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
اللّه به ، لأن شريعته جاءت خاتمة للشرائع كلها ناسخة لما قبلها ، فبين اللّه تعالى في هذه الآية حكمة النسخ ، وأنه من عنده لا من عند محمد قطعا كما تكلم به اليهود أو المشركون . ونزولها في اليهود أولى ، لأن هذه الآية مدنية ، والغالب على سكانها اليهود ، وهم الذين يجادلون حضرة الرسول بما نزل إليه من ربه مخالف لكتابهم ، وإن ما نزل في المشركين هو آية الأنعام المذكورة آنفا رد لقولهم « لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ » . واعلم أن النسخ في اللغة النقل والتحويل ، ومنه نسخ الكتاب بأن ينقل من كتاب لآخر ، وهذا لا يقضي بإزالة الصورة الأولى بل بإثبات مثله في كتاب آخر ، فعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا ، لأنه نسخ من اللوح المحفوظ وأنزل إلى سماء الدنيا جملة واحدة ، وهذا ليس مرادا هنا . وقد يكون النسخ بمعنى الرفع والإزالة ، وهو إزالة شيء بشيء يعقبه ، كنسخ الشمس للظل ، والشبب للشباب ، وعلى هذا يكون بعض القرآن منسوخا وبعضه ناسخا ، أي إزالة حكم بحكم آخر . وفي اصطلاح العلماء رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه ، ومنه يعلم أنه كما أن شريعة موسى عليه السلام نسخت الشرائع المتقدمة عليها كأنه قامت مقامها ، وكما أن إنجيل عيسى عليه السلام عدل شيئا من أحكام التوراة بدليل قوله تعالى في الآية 50 من آل عمران الآتية « وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ » فكان القسم المعدل بفتح الدال من التوراة منسوخا بالمعدّل بكسر الدال من الإنجيل ، أما الزبور المنزل بينهما إذ لا يوجد فيه أحكام ولا حدود فلم يتعرض له ، لأن مصلحة البشر المحتاجة للتعديل بحسب الزمان ، والحاجة تتعلق بالأحكام والحدود فقط ، أما الأدعية والاستغاثات الواردة في الزبور وغيره من الكتب والصحف القديمة فلا علاقة لها في هذا البحث . فكذلك القرآن العظيم عدل جميع الشرائع المتقدمة عليه فكل حكم مناف لما فيه فهو منسوخ به ، وما لا فهو باق على حكمه لموافقته أحكام القرآن ، والسبب في ذلك أنه هو الكتاب الإلهي الأخير الذي جاء صالحا لأمور الدنيا والدين إلى آخر الزمان ، ولأن مشروعية النسخ إنما تكون للحاجة والمصلحة ، فقد كان في عهد آدم عليه السلام مساغ لأن يتزوج الأخ أخته لاقتضاء